الأربعاء 16/8/2017 - 16:22
من برامج القناة
(اضغط هنا لاستعراض البرامج)

- مدار نايلسات 11177 أفقي
وزارة الأوقاف السورية

هكذا منهج الإمام الشهيد
معرض دمشق الدولي 59

فقه الأزمة في سطور

الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح
2013-11-26 11:50:16

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولد في بخارى إحدى مدن سمرقند.
بدأ بحفظ الحديث وهو ابن عشر سنين، ورحل في طلب العلم، وكان يرحل لطلب الحديث الواحد، فلم يدع محدثاً ولا عالماً إلا أخذ منه ما عنده، وبلغ من أخذ عنه أربعة آلاف شيخ، حتى جمع في ذاكرته القوية ما عند المحدثين جميعاً.
قضى حياته في رحلات دائمة، حتى قيل إن رحلات البخاري لو جمعت لزادت عن محيط الأرض مرتين. وكان يعيش للعلم يفكر فيه نهاره وليله، يقوم في الليل يشعل السراج ويكتب شيئاً، ثم ينام قليلاً ثم يخطر له خاطر جديد فيقوم، حتى أنه ليشعل السراج في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة، وقد أجمع علماء عصره على أنه الأستاذ الأكبر لعلم الحديث، وكان أساتذته يرجعون أليه، ويعرضون عليه مؤلفاتهم ويفخرون بأنه نظر فيها وصحح ما فيها من أخطاء، هكذا كان حال أهل العلم لا يبالون عمن كانوا يأخذون علمهم حتى من تلاميذهم لأن غايتهم كانت العلم بلا حظ للنفس ولا نظر لأمور الدنيا.
وكان رحمه الله قوي الذاكرة سريع الحفظ، يقول البخاري عن نفسه: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح.
ولعل من أعجب ما نقل عنه في ذلك بأن البخاري قدم بغداد، فسمع أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث، فقلّبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أشخاصٍ إلى كل واحد منهم عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري.
فلما كان المجلس، انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحد بعد واحد حتى فرغ الرجال العشرة من أسألتهم، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت أحدهم إلى الآخر ويقولون لبعضهم: الرجل عالم ! ثم انتدب رجل من آخر العشرة وسأله كما سأله الأول، والبخاري رحمه الله يجيب بما أجاب به الأول وكذلك كان الحال مع الثاني والثالث حتى فرغ العشرة مما أعدوه من الأحاديث، فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فقلت كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني قلت كذا، وصوابه كذا، وكذلك الثالث والرابع حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك فرد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
ولما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه القصة قال: هنا يُخضع للبخاري، فما العجيب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظاً، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب  ما ألقوه عليه من مرة واحدة.
قال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.
وكان أن عمل البخاري على تصنيف محفوظاته بتحفٍ أتحف بها المكتبة الإسلامية، من أجلّها كتابه الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي، وكذلك الأدب المفرد، والتاريخ الكبير، والأوسط والصغير، وخلق أفعال العباد، والضعفاء، والجامع الكبير والمسند الكبير، والتفسير الكبير، وكتاب الأشربة، وكتاب الهبة، وأسامي الصحابة ... إلخ.
وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية صحيح البخاري الذي اشتهر بين الناس قديماً وحديثاً، واسم كتابه هذا "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.
وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه " فتح الباري" ثلاثة أسباب كانت هي الدافع وراء قيام البخاري بتأليف كتابه "الجامع الصحيح" :
1- أنه وجد الكتب التي ألفت قبله جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشمله الضعف.
2- ما قاله له أستاذه ابن راهوية: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الصحيح.
3- يقول البخاري: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب (أدافع) بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي أحدهم: أنت تذب عنه الكذب.
وكان للبخاري أن اعتنى أعظم الاعتناء في عمله، يقول البخاري: صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، وخرّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
قال ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: وأما كتابه الجامع الصحيح فأجلّ كتب الإسلام بعد كتاب الله ...
وقال النووي: اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد الكتاب العزيز، الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه له نظير في علم الحديث.

بقلم: م. حسين السيوفي


جميع الحقوق محفوظة © 2015 | Powered by Platinum Inc